القاسم بن إبراهيم الرسي

208

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

والدليل البتّ اليقين ، الشاهد العدل المبين ، على أن آدم عليه السلام بدئ من التراب وخلق ، مصير نسله ترابا إذا بلي وفرّق ، وكل مركّب انتقض من الأشياء ، فعاد إلى شيء عند « 1 » تنقضه بالفرقة والبلى ، فمنه ركّب وخلق غير شك ولا امتراء ، كالثلج والجليد ، والبرد الشديد ، الذي يعود كل واحد منهما إذا انتقض وفرّق ، إلى ما ركّب منه من المياه وخلق ، وكمركّب الأشجار والحبوب وغيرهما من ضروب الأغذية ، التي تعود عند بلائها إلى ما ركّبت منه من الأرضين والمياه والنيران والأهوية . وآدم عليه السلام في أنه من تراب - وإن كان كمالا وأبا - كأولاده ، يجري عليه في أنه من تراب ما يجري على أجزائه وآحاده « 2 » ، وما يعاين من معاد أنساله ، التي هي أجزاؤه من كماله ، إلى الرفات الجامد ، والتراب الهامد ، يلحق به مثله ، إذ هم جزؤه ونسله ، وما لحق بالأجزاء ، من الموت والبلاء ، فلا حقّ لا محالة بالكمال ، والكمال « 3 » والأجزاء فجارية منه على مثال ، إذ كانت أشباها متماثلة ، وأمثالا لا يجهل تماثلها متعادلة ! وأما يقين خلقه إيانا سبحانه من نطفة ، وما جعل منا أزواجا مختلفة ، في الخلقة غير مؤتلفة ، فمعاين فينا معلوم ، لا تدفعه العيان ولا الحلوم . ألا ترى أن النطفة لو لم تكن لما كنت ، ولو عدمت إذن لعدمت . وما كان إذا عدم عدمت ، فمنه غير شك خلقت وقوّمت . ألا ترى أن كون المرعى والأشجار ، مما ينزل اللّه لها من المياه والأمطار ، فإذا عدم الماء والمطر ، هلك المرعى والشجر ، أو لا ترى أن كل ثمرة فمن شجراتها ، فإذا عدمت الشجرات عدمت ثمراتها . وما عجّب اللّه به سبحانه من صنعه في تكثيره منه للقليل المفرد ، ونشره تبارك وتعالى للكثير من واحد العدد ، فأعجب عجاب ، عجب له من خلقه أولو الألباب ، بينا نحن تراب ميت إذ أحيانا ، ونطفة واحدة إذ كثرنا فأثرانا ، فجعل سبحانه منا بنطفة تمنى ، ذكرا يعاين وأنثى ، حكمة منه سبحانه لا عبثا ، كما قال تبارك وتعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً

--> ( 1 ) في ( أ ) : بعد . ( 2 ) في ( ج ) و ( ه ) : وأوحاده . ( 3 ) سقط من ( ب ) و ( ج ) : الكمال .